لم يعد السوق العقاري السعودي هو ذاته الذي عرفناه قبل عقد من الزمن. ثورة التقنية لم تستثنِ هذا القطاع، بل ربما كانت أثرها فيه أعمق مما نتصور. في الحلقة التاسعة من المسار بودكاست، يستعرض الخبير العقاري عبد الإله المانع بعين المختص مسيرته في التسويق العقاري، ويقدم قراءة نقدية واضحة لواقع التقنية العقارية وتداعياتها على السوق المحلي.
بدأ عبد الإله المانع مشواره في التسويق العقاري في مرحلة كانت فيها الوساطة تعتمد كلياً على العلاقات الشخصية والتواجد الميداني. غير أن التحول التقني أحدث نقلة نوعية غيّرت قواعد اللعبة. فالتقنية العقارية —أو ما بات يُعرف بـ PropTech— لا تعني فقط التطبيقات والمنصات الرقمية، بل تمتد لتشمل منظومة متكاملة من الأدوات التي تُعيد تنظيم العلاقة بين البائع والمشتري والوسيط.
والفارق بين النموذجين جوهري: التسويق التقليدي كان يعتمد على المعلومة المحدودة والشبكة الضيقة، في حين يتيح التسويق الرقمي اليوم الوصول الفوري إلى قاعدة بيانات واسعة، وتحليل دقيق لحركة السوق، وتواصلاً مباشراً مع شريحة أوسع من العملاء.
يرصد المانع ظاهرة لافتة في السوق: بعض الملاك باتوا يرغبون في الدخول على خط السعي بأنفسهم، وحتى المشترون أحياناً يسعون للشيء ذاته. يعكس هذا التوجه رغبة متصاعدة في السيطرة على المعلومة وتقليص التكاليف، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن فهم ناقص لطبيعة دور الوسيط المحترف.
فشغل الوسيط العقاري ليس مجرد ربط بين طرفين؛ هو تفاوض، وتقييم، وإدارة مخاطر، وخبرة متراكمة. ومن يختزله في مجرد “توصيل رسالة” يُسيء تقدير قيمته الحقيقية في المنظومة.
لا شك أن التطبيقات العقارية ووسائل التواصل الاجتماعي ضخّت حركة غير مسبوقة في السوق. لكن المانع لا يتوقف عند الإيجابيات فحسب؛ بل يُشير إلى مخاطر التسطيح وانتشار المعلومة غير الموثوقة. ويرى أن هذا الانفتاح يُلقي بمسؤولية مضاعفة على الوسيط المحترف لأن يكون مرجعاً موثوقاً وليس مجرد ناقل للإعلانات.
وفيما يخص البورصة العقارية، يُثمّن المانع التحديثات التي تقدمها، ويعدّها خطوة نحو مزيد من الشفافية في السوق. غير أن التحديات التنظيمية التي تواجه التطبيقات العقارية لا تزال قائمة، وتستدعي تنسيقاً أعمق مع الهيئة العامة للعقار لضمان بيئة تنافسية منظّمة وعادلة.
يطرح المانع موقفاً متزنا من سؤال يشغل بال كثيرين: هل سيُحل الذكاء الاصطناعي محل الوسيط العقاري؟ الإجابة ليست نعم مطلقة ولا نفياً قاطعاً. الذكاء الاصطناعي قادر على معالجة البيانات وتحليل الأسعار وتوقع الاتجاهات، لكنه يظل عاجزاً عن استيعاب أبعاد الصفقة الإنسانية: الثقة، والتفاوض، وفهم الاحتياج الحقيقي للعميل. المستقبل، وفق هذه الرؤية، للوسيط الذي يُحسن توظيف التقنية لا الذي يتجاهلها.
يربط المانع بين تطور التقنية العقارية والمستهدفات الوطنية الكبرى. فرفع نسبة تملّك المساكن، وتطوير منظومة التمويل، وزيادة شفافية السوق —كلها أهداف لا يمكن تحقيقها دون بنية تقنية راسخة. ومعرض البروبتك العقاري يُمثل في هذا السياق منصة تجمع صانعي القرار والمبتكرين في فضاء واحد، مما يُعجل بوتيرة التحول.
يختتم عبد الإله المانع بتوجيهات عملية لمن يُفكر في دخول مجال التسويق العقاري عبر التطبيقات:
• لا تنجرف وراء الصفقات الكبرى في بداية مشوارك؛ ابنِ خبرتك أولاً.
• التحالفات في القطاع العقاري ليست ترفا، بل ضرورة تُعزز قدرتك التفاوضية وتوسّع شبكتك.
• التقنية أداة، والتميّز الحقيقي يبقى في عمق المعرفة وجودة الخدمة.