في عالم العقار، قد تكون الثقة بداية العلاقة بين الأطراف، لكنها وحدها لا تكفي لحماية الحقوق. فمع تنامي حجم الصفقات العقارية وتطور الأنظمة في المملكة، أصبحت العقود الموثقة حجر الأساس في تنظيم التعاملات، وتقليل النزاعات، وحماية جميع الأطراف.
في إحدى حلقات المسار بودكاست، استضفنا المحامي والمستشار القانوني د. خالد بن ناصر الحجاج، الذي قدّم قراءة قانونية شاملة لعدد من الملفات التي تمس كل متعامل في القطاع العقاري، بدءًا من عقود البيع والإيجار، مرورًا بعقود التمويل والمقاولات، ووصولًا إلى مشاريع البيع على الخارطة.
يرى د. خالد الحجاج أن أكبر الأخطاء التي يقع فيها كثير من المتعاملين هي الاعتماد على الثقة وإهمال توثيق الاتفاقيات. فالعقد لا يحمي العلاقة الحالية بين الطرفين فحسب، بل يحفظ الحقوق عند تغير الظروف أو انتقال الالتزامات إلى الورثة أو حدوث أي خلاف مستقبلي.
ويؤكد أن الأنظمة الحديثة في المملكة اتجهت إلى إلزامية التوثيق في العديد من التعاملات العقارية، إدراكًا لما كانت تشهده المحاكم سابقًا من نزاعات كان سببها غياب العقود أو ضعف صياغتها.
قد تبدو بعض بنود العقود طويلة أو معقدة، إلا أن تجاهلها قد يترتب عليه خسائر مالية كبيرة. لذلك يشدد الحجاج على ضرورة فهم جميع البنود قبل التوقيع، والاستعانة بمحامٍ أو مختص قانوني عند وجود أي نقطة غير واضحة.
فقد تكون عبارة واحدة داخل العقد سببًا في حفظ ملايين الريالات، أو على العكس، سببًا في فقدانها.
من أبرز الرسائل التي حملتها الحلقة أن التوقيع لا يجب أن يكون خطوة شكلية، بل قرارًا مبنيًا على فهم كامل للعقد.
وينصح الحجاج بعدم التوقيع على أي مستند قبل قراءته بالكامل، خصوصًا في عقود التمويل والعقود طويلة الأجل، لأن كثيرًا من الالتزامات المالية أو الشروط المستقبلية قد تكون مدونة داخل بنود لا يلتفت إليها البعض.
كما حذر من التوقيع على بياض أو تسليم سندات أو أوراق غير مكتملة البيانات، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر قانونية يصعب معالجتها لاحقًا.
عند شراء أو بيع أي عقار، لا يكفي ذكر الموقع أو المساحة بشكل عام، بل ينبغي وصف العقار وصفًا دقيقًا يشمل جميع التفاصيل الفنية والتنظيمية، بما في ذلك الرخص، والاستخدامات المسموح بها، والمواصفات الإنشائية.
فكلما زادت دقة التفاصيل داخل العقد، انخفضت احتمالات الخلاف بين الأطراف، وأصبح الرجوع إلى العقد أكثر وضوحًا عند حدوث أي نزاع.
من الأخطاء المتكررة التي تناولتها الحلقة، اتخاذ قرارات استثمارية أو شراء عقارات دون الاستعانة بمهندس أو مستشار قانوني.
ففحص العقار قبل الشراء، والتأكد من سلامته الإنشائية، ومراجعة الرخص والاشتراطات التنظيمية، خطوات قد تبدو مكلفة في البداية، لكنها توفر على المستثمر خسائر قد تصل إلى ملايين الريالات مستقبلاً.
خصصت الحلقة مساحة للحديث عن مشاريع البيع على الخارطة، والتي أصبحت اليوم أكثر تنظيمًا بفضل الأنظمة والإجراءات التي تشرف عليها الجهات المختصة.
وأوضح د. خالد أن حسابات الضمان، والعقود النموذجية، والإشراف على مراحل التنفيذ، جميعها أدوات تهدف إلى حماية أموال المشترين وضمان تنفيذ المشاريع وفق الجدول الزمني والمواصفات المتفق عليها.
كما شدد على أهمية مراجعة تاريخ التسليم، والشرط الجزائي، وآلية التعويض عند التأخير، وعدم القبول بأي صياغة تحمل المشتري عبء إثبات الضرر.
تناولت الحلقة أيضًا العقود الإيجارية، سواء السكنية أو التجارية، مع التأكيد على ضرورة التفريق بين مدة العقد وجدول السداد، فطريقة دفع الإيجار لا تعني إمكانية إنهاء العقد متى شاء المستأجر.
كما أوصى الحجاج المستأجرين بعدم استئجار عقار يفوق قدرتهم المالية، وضرورة توثيق حالة العقار عند الاستلام وعند الإخلاء، حفاظًا على الحقوق وتجنبًا لأي مطالبات مستقبلية.
في مشاريع البناء، يبدأ النجاح من العقد قبل أن يبدأ من الخرسانة.
لذلك ينصح د. خالد بالاستفادة من العقود النموذجية، والاستعانة باستشاري هندسي لمتابعة التنفيذ، ووضع شروط واضحة تتعلق بمدة المشروع، وآلية صرف الدفعات، والشرط الجزائي، وإجراءات التعامل مع التعثر أو التأخير.
فالهدف ليس التضييق على المقاول، وإنما تنظيم العلاقة بما يضمن حقوق جميع الأطراف.
أشادت الحلقة بالجهود التنظيمية التي شهدها القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من تنظيم الوساطة العقارية، ومنصة إيجار، والتسجيل العيني للعقار، وصولًا إلى تنظيم مشاريع البيع على الخارطة.
وقد أسهمت هذه التشريعات في رفع مستوى الشفافية، وتقليل النزاعات، وتعزيز الثقة بين المستثمرين والملاك والمشترين، بما يتماشى مع مستهدفات تطوير القطاع العقاري في المملكة.
اختتم د. خالد الحجاج الحلقة برسالة واضحة مفادها أن العقد ليس تعبيرًا عن انعدام الثقة، بل هو الوسيلة التي تحفظ الحقوق وتمنع الخلافات قبل وقوعها. فكلما كانت العلاقة موثقة، وكانت البنود واضحة، أصبح التعامل أكثر استقرارًا، وقلت فرص النزاع مهما تغيرت الظروف.
استمع إلى الحلقة كاملة عبر منصات البث الخاصة بـ المسار بودكاست، وتعرّف على مزيد من الإضاءات القانونية التي تساعدك على اتخاذ قرارات عقارية أكثر أمانًا وثقة