يظن كثيرون أن قطاع المقاولات مجرد “بناء وتشييد”، لكن من يعيش هذا القطاع عن قرب يدرك أنه عالم قائم بذاته، مليء بالتفاصيل والتحديات والفرص. في إحدى حلقات المسار بودكاست، استضفنا المقاول صالح المحسن الذي فتح الكتاب على مصراعيه وتحدث بصراحة نادرة عن كواليس هذا القطاع، من أولى الخطوات حتى بناء العلامة التجارية.
لا يوجد مسار واحد للدخول إلى عالم المقاولات، لكن الأستاذ صالح المحسن يؤكد أن البدايات عادةً ما تكون متواضعة، وأن الاستمرار والنجاح في هذا القطاع يرتكزان على عوامل محورية أبرزها: بناء الثقة قبل التوقيع على أي عقد، وفهم السوق بعمق، والقدرة على إدارة العلاقات مع الأطراف المختلفة. الثقة ليست رفاهية هنا، بل هي رأس المال الحقيقي للمقاول.
يرسم كثيرون صورة مبسّطة عن المقاول، لكن الواقع أعمق من ذلك. المقاول هو المسؤول عن تنفيذ المشروع وفق المخططات والمواصفات المتفق عليها، وليس من مهامه التصميم أو الإبداع الهندسي. دوره يبدأ من لحظة تسلّم المخططات وينتهي بتسليم مشروع مكتمل. ومن هنا تتضح أهمية العلاقة بين المقاول والمهندس؛ فكلما كان هذا التعاون محترفاً وواضحاً، كلما ارتفع مستوى جودة التنفيذ وانخفضت نسبة الخلافات.
من أكثر ما يثير الاهتمام في حديث أ. صالح المحسن هو كشفه لكواليس القطاع، تلك الجوانب التي يجهلها أصحاب المشاريع. فكثير من المشكلات التي تنشأ أثناء التنفيذ تعود إلى ضعف العقود أو غياب الإشراف المتخصص.
لذلك يُشدد على ضرورة مراجعة العقود بدقة والاستعانة بمتخصصين قبل التوقيع، وأن يكون للمشروع مشرف مؤهل يُختار بعناية بناءً على خبرته ومعرفته بالمواصفات.
أحد أبرز محاور الحلقة كان نصائح عملية لحماية صاحب المشروع، سواء كان يبني من الصفر أو يشتري عقاراً جاهزاً:
• اقرأ العقد جيداً قبل أي توقيع، ولا تتردد في الاستعانة بمستشار قانوني أو هندسي.
• اطلب الضمانات فهي حق مشروع للمشتري ودليل على جدية المقاول.
• تعرّف على الكود السعودي للبناء، الذي يمثل منظومة اشتراطات تقنية تهدف إلى الحد من العيوب الخفية وضمان السلامة الإنشائية.
• لو كنتِ سيدة وتفكرين في تجربة البناء الذاتي، فالنصيحة الأولى هي التسلح بالمعرفة، وعدم التردد في طرح الأسئلة على المختصين.
لا يمكن الحديث عن المقاولات اليوم دون التطرق لملف التوطين، الذي يراه صالح المحسن فرصة حقيقية رغم التحديات التي تواجهه. كما أن التحول الرقمي لم يعد خياراً، بل بات ضرورة يتبناها القطاع لمواكبة متطلبات المشاريع الكبرى وتحسين الكفاءة التشغيلية.
يختتم أ صالح المحسن رؤيته بمبدأ بسيط وعميق في آنٍ واحد: “مقاول يشتغل ويخاف من الله، بالناس ما يخسر.” فبناء العلامة التجارية لا يكون بالإعلانات وحدها، بل بالسمعة التي تتراكم مشروعاً تلو الآخر. والتسويق في المقاولات يختلف عن غيره؛ فالعميل الراضي هو أقوى وسيلة تسويقية على الإطلاق.
ولدعم هذا المسار، تلعب الهيئة السعودية للمقاولين دوراً محورياً في تطوير القطاع وتمكين المقاولين من أدوات النجاح.